أنت هنا: الرئيسية » تأملات » كما رفع موسى الحية

كما رفع موسى الحية

في حديثه الوارد في يوحنا 3 مع نيقوديموس يستخدم الرب يسوع رمزاً عجيباً عن نفسه عندما يشير إلى أمر معروف جيداً عند الإسرائيليين . إنه يستخدم رمزاً يعرفه كل يهودي ، فبعد أن بين لذلك الرجل اليهودي ضرورة الولادة الجديدة قال “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (عد 14 ، 15).

أن الحية في البرية فيها إشارة ظاهرة إلى المسيح في علاقته بالخاطئ غير المؤمن والحية ذاتها هي رمز للخطية والنحاس رمز للدينونة والقضاء فالحية النحاسية الموضوعة على خشبة تشير إلى الخطية التي دينت . لما سمر يسوع المسيح على الصليب ورفع لكي يموت تحت قضاء الله العادل كان يحمل خطايانا في جسده هناك والله جعل الذي لم يعرف خطية لأجلنا لنصير نحن – بالإيمان به – بر الله فيه (1بط 24:2 ؛ 2كو 21:5) . فالمسيح المعلق فوق الصليب احتمل في جسده دينونة الخطية وكل من ينظر إليه نظرة الإيمان، كل من يثق فيه ويؤمن به لن يهلك بل تكون له الحياة الأبدية . فما اجمل هذه الحية النحاسية المرفوعة على راية في البرية في إشارتها للمسيح فقد قال الرب لموسى عن هذه الحية النحاسية “كل من لدغ ونظر إليها يحيا” ( عد 8:21) . وإذا استعرضنا الإصحاح الحادي والعشرين من سفر العدد نجد الإسرائيليين في ختام الأربعين سنة وقد قاربوا على الدخول إلى أرض كنعان ، الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً ، ولكنهم تذمروا وضاقت نفوسهم من طول الطريق وتكلموا على الله وعلى موسى قائلين لماذا اصعدتمالنا من مصر لنموت في البرية لأنه لا خبز ولا ماء وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف فغضب الرب عليهم وأرسل الحيات المحرقة ومات من الشعب نفر غير قليل فعادوا وصرخوا للرب واعترفوا وقالوا لموسى قد أخطأنا إذ تكلمنا على الرب وعليك وسمع الرب اعترافهم واعد لهم تلك الحية النحاسية حتى يبرأ كل من ينظر إليها . وبهذا نرى أن طريقة التمتع بالشركة مع الله واستعادة العشرة معه هي نفس طريقة الوصول إليه من أجل الغفران والخلاص فنحن لما كنا غير مخلصين قربنا إلى الله عن طريق الإيمان به كمن مات على الصليب لأجلنا . وهكذا إذ تنقطع شركتنا مع الله بسبب عدم تمسكنا بالقداسة في سلوكنا لا نستطيع أن نسترد الشركة معه له المجد إلا بذات الطريقة – بالنظر إلى المسيح المصلوب – إلى واسطة الخلاص التي أعدها الله.

لم يكن للعقل البشري ولا للمنطق الإنساني أي دخل في هذا الخلاص ولم يكن يدخل في الحسبان نوع الإسرائيلي الذي أخطأ أهو رجل أم امرأة ، أهو شيخ أم حدث ، أهو مشرف على الهلاك من لدغة الحية أم كان سمها لم يسر بعد في جسده لكن الأمر توقف على شئ واحد فقط هو نظرة الإيمان التي تجئ نتيجة تصديق كلام الله وأمره . بهذه النظرة كان يشفي الملدوغ . ولم يكن أيضاً للراية التي رفعت عليها الحية ولم يكن لموسى الذي صنع تلك الخشبة ولا لأي شئ آخر دخل في شفاء الإسرائيلي الملدوغ التائب. لكن في النظرة إلى الحية – النظرة نتيجة التصديق القلبي – كان كل الشفاء .

هكذا الحال مع المسيح في يومنا الحاضر فإن الخلاص يعطي والحياة الأبدية توهب لكل من ينظر نظرة الإيمان للمسيح المصلوب كما أن الشركة تسترد وتعود العشرة بين المؤمن وربه على أساس هذه الواسطة نفسها ولا عبرة بالخطية صغيرة كانت أم كبيرة بل العبرة بالمسيح الذي إليه ننظر للخلاص ولاستعادة الشركة . كما أنه لا بأعمالنا ولا بمجهوداتنا ولا بشعورنا ولا بمعاشراتنا ولا بمعلمينا ولا بعضويتنا في الكنائس ولا بمعموديتنا يمكننا أن نخلص ولا حتى بنظرتنا إلى خشبه الصليب نفسها بل الخلاص بالمسيح نفسه وحده . “لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر .. ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع ” (عب 1:12 و 2)

هذا هو درس الحية النحاسية الذي أراد ربنا يسوع أن يعلمه لنيقوديموس ليت كل بعيد خاطئ يثق في الله وفي كلامه وينظر إلى المسيح بالإيمان ويخلص . وليت كل ابن الله شرد عن الحق يثق في الله وفي كلمته وينظر إلى المسيح ويرجع إلى مركز الشركة والبركة والأثمار .

إلى الأعلى