أنت هنا: الرئيسية » تأملات » يعقوب عند مخاضة يبوق

يعقوب عند مخاضة يبوق

فبَقىَ يعقوب وحده. وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه. فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه(تك 32: 24 ،25)

لقد كان يعقوب منفرداً في صراعه مع الله. وكان الله أيضاً منفرداً في صراعه مع يعقوب، أي أن المشكلة الحقيقية كانت بين يعقوب والله، وليست بين يعقوب والناس: لابان أو عيسو أو أهل شكيم، ولا كانت بينه وبين الظروف، لكنها بينه وبين الله وحده. وكم هو حريٌ بكل مؤمن يعاني ويتألم من الناس أو من الظروف أن يكف عن الصراع معهم، ويعرف أن مشكلته الحقيقية هي مع الله. وعندما يسوّي المؤمن مشكلته مع الله وينهي صراعه معه، عندئذ لن يكون له صراع مع الناس أو الظروف. فما كان أذى عيسو أو لابان إلا أدوات صراع الله مع يعقوب. وعلى العكس من هذا أحياناً يحاول بعض الأحباء مساعدة مؤمنٍ لتحقيق رغباته الذاتية، فما يكون عملهم هذا إلا دفعاً للمؤمن لمزيد من الصراع مع الله. هذا ما عملته رفقة مع يعقوب. وعليه كم هو جميل أن يبقى يعقوب وحده بعيداً عن الناس الذين يصارعهم، وأيضاً بعيداً عن أي مُحب له يحاول مساعدته في صراعه “فبَقىَ يعقوب وحده”.

ولكن يا للعجب “ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه” .. مَنْ الذي لم يقدر على مَنْ ؟ الله لم يقدر على يعقوب!! ألا يعطينا هذا فكرة عن عناد الجسد الذي فينا، ومدى عنفوان وصلابة استقلاله عن الله، حتى أن الله لم يقدر عليه. وبالطبع عدم القدرة هنا هو عدم القدرة من خلال الوسائل التهذيبية الحُبية، والوسائل الإصلاحية، ولكن لا بد في النهاية أن يقدر الله عليه، إلا أن هذا كان من خلال القضاء والدينونة، من خلال الضرب والخلع.

نعم لم يكن هناك أي أمل في إصلاح الجسد وإعادته للإتكال على الله (رو 8: 7 ،8). فقد استنفذ الله كل الوسائل في كل التدابير ولم يقدر عليه، وكان لا بد في النهاية من الصليب حيث تم هناك الضرب والخلع. فهناك أعلن الله أنه لم يَعُد عنده أية وسيلة لإصلاح الجسد، إنه لا يقدر عليه، ولا بد من الدينونة بالخلع، لكي يدخل في المشهد ـ بقيامة المسيح ـ إنساناً جديداً، كل مَنْ رآه قَبِل بسرور أن يخلع العتيق ويلبس الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق (رو 8: 7 ،10؛ أف4: 22،24).

إلى الأعلى