أنت هنا: الرئيسية » تأملات » أغني رجل في الولاية

أغني رجل في الولاية

وقف أحد ملاك الأراضي الأثرياء في شرفة قصره الفخم ، يتطلع إلى أملاكه الشاسعة الممتدة إلى الأفق ، ثم هتف : ” كل هذا ملكي ” ! … ثم نزل وامتطي صهوة جواده ، وأخذ يتجول به ليتفقد أطيانه .

وأثناء تجواله ، لمح ” هاينز ” العجوز ، عامل الأرض الذي يشتغل عنده وقد جلس تحت إحدى الأشجار ، ووضع أمامه طعامه ، ثم خلع قبعته وكشف رأسه ، وبدأ يقدم الشكر للآب السماوي الذي منه تفيض كل العطايا الصالحة .

تأمل صاحب الأرض في هذا الرجل الفقير العجوز ، وما أن انتهي من صلاته ، حتى قال له :

- حسنا يا هاينز … كيف حالك اليوم ؟ … تبدو سعيدا جدا يا هاينز !!

- هل أنت هو يا سيدي ؟ … لقد ثقلت أذناي سفي الأيام الأخيرة ، كما أن نظري ضعف أيضا ، ولكني سعيد … نعم ، في الحقيقة أنا سعيد ، ولدي العديد من الأسباب لذلك . فالآب السماوي يعطيني الكساء والقوت اليومي ، كما يوجد سقف يأويني ، وسرير لا بأس به أنام عليه ، وهذا يفوق ما كان يمتلكه مخلصي المبارك حينما عاش هنا في هذه الأرض . فهو لم يكن له أين يسند رأسه . وقد كنت أشكر الله الآن لأجل هذه المراحم حينما ظهرت أنت .

تفرس مالك الأرض في طعام هاينز القليل التافه الذي كان مكونا من قليل من شرائح الخبز وقطعتين من الجبن المغموس في الزيت ، ثم قال :

- هل هذه عينة الطعام الذي تشكر الله لأجله يا صديقي المسكين ! لو كان هذا هو كل ما لدي لأجل غذائي لكنت تعيسا جدا .

فقال هاينز بدهشة : تعيسة جدا !! ولكنك لا تعرف ما أمتلكه . إن حضور الرب يسوع مخلصي في داخل قلبي يعطي حلاوة لكل ما يعطيني الله إياه . وهو وحده ولا سواه كل ثروتي ، كل عدتي وعتادي ، وكل مشتهاي ، وفيه كل ما أرجو وأكثر … إنه مخلصي الحي الذي أثق فيه من جهة أعوازى اليومية ، روحية كانت أو زمنية . وما من يوم يشرق له فجر إلا والمعونة الإلهية تتجدد باستمرار ، وفي كل صباح جديد أستطيع بكل ثقة أن أقول : ” أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني ” ( فيلبي 4 : 13 ) ، وفي مساء كل يوم أستطيع أن أترنم قائلا : ” جعلت سرورا في قلبي أعظم من سرورهم إذ كثرت حنطتهم وخمزهم . بسلامة أضطجع بل أيضا أنام ، لأنك أنت يا رب منفردا في طمأنينة تسكنني ” ( مز 4 : 7 – 8 ) … آه ، لقد تذكرت شيئا … هل يمكنني أن أخبرك يا سيدي بحلم رأيته في الليلة الماضية ؟

- طبعا يا هاينز ، أخبرني بحلمك …

- بالأمس وبينما كنت استعد للنوم ، انشغل فكري وقلبي بالوطن السماوي ، حيث المنازل الكثيرة المعدة في بيت الآب لأولئك الذين آمنوا بالرب يسوع المسيح كمخلصهم الشخصي الذي بذل نفسه لأجلهم على الصليب. وفجأة شعرت بنفسي وقد انتقلت إلى المدينة السماوية ، وقد كانت أبوابها مفتوحة بسعة ، واستطعت أن أتأمل في تلك الأماكن المباركة . آه يا سيدي ، إن المجد والجمال اللذان رأيتهما لا يمكن لأي لسان أن يصفه ! … طبعا كان الأمر كله مجرد حلم ، ولكن يوجد شئ واحد هام أريد أن أخبرك به .

- وما هو ؟! قالها مالك الأرض بضيق وتبرم .

- لقد سمعت صوتا يقول : إن أغني رجل في الولاية سيموت في هذه الليلة . وبعد ذلك طرقت أذناي أعجب الترنيمات الحلوة ، وسمعت صوت هللويا ، يطرب أذناي . وفي تلك اللحظة استيقظت . وقد شعرت أنه من الواجب على أن أخبرك . فربما تكون هذه الكلمات تحذيرا لك .

عند هذا الحد شحب وجه مالك الأرض . ولكنه حاول أن يخفي المخاوف التي أطبقت عليه ، فأجاب بصوت مرتفع : كلام فارغ ! يمكنك أنت أن تصدق الأحلام إذا أردت ، ولكن أنا لا أصدقها ، ثم اندفع يعدو بحصانه بسرعة عظيمة ، بينما نظر ” هاينز” العجوز إليه ، وصلي قائلا : ” يا رب من فضلك خلص نفسه إذا كان حقا سيموت بهذه السرعة ” .

وبعد ساعتين من هذا الحديث ، وصل مالك الأرض إلى قصره ، واندفع بعجلة إلى غرفته ، ورمي نفسه فوق الأريكة وهو يشعر بالإنهاك الشديد ، وأسرع باستدعاء طبيبه الخاص الذي فحصه بدقة على مدى عدة ساعات ، ثم طمأنه وهو يضحك من قلبه قائلا : أحلام ! إنها خداع وأوهام . لقد كنت أظن أنك أعقل من أن تصدق مثل هذه السخافات . أنت تموت الليلة ؟! هذا سخف ! إنك تتمتع بصحة ممتازة .

وكان الوقت قد قارب العاشرة مساءا حينما غادر الطبيب منزل مضيفه . وفجأة وفي نفس تلك اللحظة ، دق جرس الاب . وما أن فتح الباب حتى قال الطارق : آسف لإزعاجك يا سيدي ، لقد أتيت لأخبرك بأن ” هاينز ” العجوز قد مات فجأة هذا المساء ، ولكني أسألك بخصوص ترتيبات الجنازة في الغد .

وهكذا تحقق حلم ” هاينز ” العجوز ! إن أغني رجل في الولاية لم يكن مالك الأراضي الواسعة الخصبة ، ولكنه كان ذلك العامل الفقير الذي عاش حياته في كوخ فقير، والذي كان دائما يشكر الآب السماوي على الطعام البسيط الذي يعطيه له . لقد انطلقت روحه المغذية لكي تتمتع بذلك المكان الذي انشغل فكره وقلبه به . وهذا لأنه قد اغتسل بدم حمل الله الذي يطهر من كل خطية .

أيها القارئ العزيز : ما هو الحال معك ؟ … هل أنت غنيا لله ؟ ( لو 12 : 21 ) هل أنت غنيا بكنوز المساء كما كان ” هاينز ” العجوز ؟ وهل مخلصه الرب يسوع هو مخلصك ، أم أنت تبحث عن غني العالم الزائل ؟ وهل يا عزيزي أنك ستصبح أغني إنسان في العالم إذا آمنت بالرب يسوع المسيح الإيمان القلبي الصحيح . ستتمتع ، ليس بالغني الأرضي ، ولكن بالغني السماوي الذي لا يزول ، غني المسيح الذي لا يستعصي (أف 3 : 8 ) لأنه إن كان لنا المسيح قلنا كل شئ ، وإذا لم يكن لنا المسيح فلا شئ لنا . نستطيع أن نعيش سعداء حتى وإن كنا لا نملك مالا أو حرية أو والدين أو أبناء أو أصدقاء إذا كان المسيح لنا . ولكن إذا لم يكن المسيح لنا ، فلا المال ولا الحرية ولا الوالدين ولا الأبناء ولا الأصدقاء تستطيع أن تجعلنا سعداء .

المسيح بدون أي شئ آخر هو الغني الجزيل ، وكل شئ بدونه هو الفقر الموقع . إنه طعام للجوع … وماء للعطشي … ونور للظلمة … وفرح للحزن … وراحة للتعب … وصحة للمرضي … وتعزية للشدة … وثروة للفقر … وصحبة للوحشة … وعون للأثقال … وأمان للخطر … ومخبأ من الريح … وإرشاد للحيرة … وحرية من القيود … ونصرة للحرب … وقوة للجهاز … وغفران للمذنوبية … ومحبة للبغضة … وقدرة للضعف … ودواء للمريض … وحياة في الموت … هو مورد لا يجف ومعين لا ينضب … إنه الأزلي الأبدي … هذا هو المسيح للمسيحي الحقيقي … ليتك لا تتردد في الإتيان الآن إليه بالإيمان لتتمتع بهذا الغني المؤكد .

إلى الأعلى