أنت هنا: الرئيسية » تأملات » الأمراض … وكل الأشياء ‍‍!!

الأمراض … وكل الأشياء ‍‍!!

ما أن أنهت ” نبيلة ” دراستها الجامعية وتزوجت وأنجبت طفلتها الوحيدة ، حتى بدأت أزمات ” الربو ” تهاجمها بضراوة ، واضطر الأطباء إلى علاجها بجرعات متزايدة من ” الكورتيزون ” الذي سبب لها هشاشة شديدة بالعظام مما أفسح المجال أمام مرض “الروماتويد ” لكي ينشب أظافره بوحشية في جميع مفاصل جسمها بما فيها مفاصل العمود الفقري … وفي غضون سنوات معدودة كانت قد تشوهت وتيبست جميع مفاصل جسمها وأصبحت حركتها شبه مستحيلة .

وفي شهر مارس 1999 أدخلت المستشفي لمدة شهر لإجراء أربع عمليات جراحية لاستبدال مفصلي الركبتين ومفصلي الفخذين . وكانت النتيجة لا شئ ، فقد فشلت كل هذه العمليات . لتخرج بعدها من المستشفي ، ضعيفة ، نحيلة ، مغطاة بالكثير من قروح الفراش ، يغمرها الأسى واليأس والكآبة .

ثم عاودت ” نبيلة ” الدخول إلى المستشفي لتقضي شهرا آخر في العناية المركزة للعلاج من ” تسمم دموي ” وارتفاع حاد في درجة الحرارة نتجا عن ” قروح الفراش ” . وخرجت من المستشفي بعد أن حكم عليها أن تقضي ما بقي من عمرها رهينة الإعاقة ، حبيسة الفراش ، غير قادرة على الاهتمام حتى بأبسط حاجاتها الشخصية . وضاعفت دموع الحنق والخوف والفشل من قنوطها . ولم تعد تقوى على التحمل أكثر ، وبلغ الصبر نهايته ، وصارت حياتها عبارة عن نوبات من الأسى ورثاء الذات ، وصار سؤالها الدائم : لماذا يا رب ؟! لماذا ؟!

وعلى مقربة منها كانت تسكن أخت مؤمنة فاضلة ، كانت تخرج من محضر الله بعد أن تقضي أوقاتا طويلة في الصلاة من أجلها ، لتذهب إليها لتحدثها عن نعمة الله ومحبته التي تبحث عنها لتحزمها في حزمة الحياة ، وتعوضها عن السنين التي أكلها الجراد ، وترفعها فوق الآلام والأمراض .

- الرب بيحبني !! وهل ما أصابني دليلا على محبة الرب ليَّ ؟!

- إن كل ما أصابك ليس دليلا على عدم محبة الله لك . إنما الدليل الأكيد على محبة الله لك أنه ” لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين ” . وأن ابن الله أحبك وأسلم نفسه لأجلك ( رو 8 : 32 ؛ غلا 2 : 20 ) .

- وماذا عن كل ما أصابني ؟!

- إنها بعض من أعمال العناية الإلهية ، إنها أمواج تدفع سفينة حياتك إلى شاطئ النجاة حيث تشعرين باحتياجك الشديد للرب يسوع المسيح فتلجئين إليه بالإيمان . إن أفكار الله صالحة من نحونا على الدوام . وعندما نوضع في الفراش فهذا واحد من ” كل الأشياء ” التي تعمل معا للخير ( رو 8 : 28 ) ، لأننا عندما نكون سائرين على أقدامنا في وضع رأسي ، نري الأشياء التي حولنا فقط ولا نري الأشياء التي فوقنا ، لذلك أحيانا يضعنا الله على ظهورنا في وضع أفقي لنستطيع أن ننظر إلى فوق ونتأمل في الله وفي محبته وطرقه الحكيمة معنا ، واحتياجنا الشديد لنعمته … ويا له من غرض مبارك !!

- أيمكن أن يكون ما أنا فيه خير ؟!

- إننا كثيرا ما نميل إلى تفسير الخير من مفهوم الراحة الجسدية ، فالخير في رأينا هو ألا نصاب بأي داء ، وألا تمس أجسادنا بأي ألم ، أن تكون جيوبنا ملأى بالنقود. أن نسكن في منازل عصرية ، وأن نلبس أفخر الألبسة ونخرج لنلهو في نزهات طويلة ، وهكذا نعتبر الراحة والخير شيئين متعادلين ، بل أيضا نعتبر اللهو والخير متعادلين . ويا له من خطأ كبير !!

- وما هي طبيعة الخير الذي تقصدينه ؟

- الخير هو أن نأتي إلى الرب يسوع المسيح بالإيمان ، وأن ننال القبول الأبدي أمام الله ، وأن نكون مشابهين صورة ابن الله الأدبية ( رو 8 : 29 ). وإن كل ما يساعد المؤمن على جعله شبيها بالمسيح هو خير وذلك بصرف النظر عن تأثير ذلك على راحته أو صحته ، أو نجاحه أو سروره .

” نبيلة ” … إن الله يبحث عنك ويطلبك ليخلصك … إنه لطيف فلا يقسو . وحكيم فلا يخطئ . ولا تستطيع أية ظروف أخرى أن تنجح خطة الله أو تأتيك بالخير الأسمي على نحو أفضل من ظروفك الراهنة … فتعالي إلى المسيح … ارتمي عليه بالإيمان لينهي ماضيك …. ويضمن مستقبلك … ولكي يتكفل بنعمته بحاضرك …. إنه كفء لكل الظروف … ولا أحد يستطيع أن يملأ احتياجك من كل وجه سوي الرب يسوع المسيح.

وتوالت الزيارات ، وكانت الأخت المؤمنة تتكلم كأقوال الله ( 1 بط 4 : 11 ). وكان الروح القدس عاملا يجاهد مع ” نبيلة ” ليفتح قلبها لتصغي ( أع 16 : 14 ) . وليفتح ذهنها لتفهم المكتوب ( لو 24 : 45 ).

وفي أحد أيام شهر مارس 2000 ، استيقظت ” نبيلة ” من نومها مبكرا . وبدا وكأن هناك شخصا يتحدث إليها بصوت عميق يبعث على الطمأنينة قائلا لها : ” تعال … تعال إلى الرب يسوع المسيح لكي يريحك … لقد أحبك إلى درجة أنه مات لأجلك … إنه يعرف كل ما تعاني منه … إنه يعرف ما يعنيه عدم قدرة المرء على الحركة ، فقد قضي ساعات رهيبة في صراع عنيف ، مسمرا فوق الصليب ، دون عون ، مكتوفا لا يقوى على الحركة ، منتظرا الموت … إنه يعرف معني آلام العظام الرهيبة ، فعندما كان على الصليب ، أرسل الله نارا من العلاء فسرت في عظامه ( مر 1 : 13 ) … وهو الآن الكاهن العظيم الذي اجتاز السماوات ، القادر أن يشفي ويرثي لضعفنا ، فهو الذي خضع مثلنا لكل تجربة ، وفيما هو قد تألم مجربا يقدر أن يعين المجربين ( عب 2 : 18 ؛ 4 : 14 – 15 ) … أنت تحتاجين إليه … تعالي إليه …. الآن تعالي إليه … ارتمي في حضنه بالإيمان …. “.

أحبائي … لقد كان الروح القدس يتكلم إلى قلبها وإلى ضميرها … وتجاوبت ” نبيلة ” مع الروح القدس فصرخت من أعماقها : ” يا رب يسوع المسيح أنا عاجزة … أنا تايهة … أنا محتاجة لك … أنا عايزاك … أنا عايزة أتعرف بيك … سامحني على كل حاجة عملتها … ارحمني … اقبلني … خلصني … أرجوك أدخل إلى حياتي واعمل فيها حاجة تخليني أخدمك وأتعلم كلمتك ” .

وولدت ” نبيلة ” من جديد في هذا الصباح ، وصارت خليقة جديدة في المسيح … وعندما ذهبت لزيارتها . وجدت ” جلد وجهها يلمع ” ( خر 34 : 29 – 30 ) وكان البريق الذي يشع من عينيها ، والابتسامة التي لا تفارق وجهها تؤكد صدق ما قالته لي :

” لقد عرفت المسيح من يملأ احتياجي من كل وجه ، فلي فيه حياة أبدية ، وبر ناصع البياض . ومحبة لا تسبر أغوارها ، ورجاء لا يخزي ، وسلام يفوق كل عقل . وراحة عميقة الثبات . وفرح يرتفع فوق الصعوبات ، ومجد لا تحجبه الغيوم ، وقوة لا تضعف ، وحكمة لا تخبو ، ونور لا تغشاه ظلمة ، وسعادة لا تهتز بالأحداث . لي فيه موارد لا تنفذ ، وينابيع لا تنضب ولا تجف ، وهو نفسه كل شئ لي … إنني ما عدت أقلق من جهة الغد ، فالغد وظروفه ، نهاره وليله ، الله فيه كل الكفاية لمواجهته ” .

واستطردت ” نبيلة ” قائلة : ” اخبر أصدقاء ” نحو الهدف ” أنه إن كان لنا المسيح فلنا كل شئ . وإذا لم يكن لنا المسيح فلا شئ لنا . المسيح مع الأمراض هو الصحة كاملة . المسيح مع الأغلال هو الحرية بعينها … المسيح بدون أي شئ آخر هو الغني الجزيل وكل شئ بدونه هو الفقر الموقع “.

عزيزي … هل تمتعت بهذه النعمة الغنية المتفاضلة ؟!

طباعة

إلى الأعلى