أنت هنا: الرئيسية » تأملات » الصليب أُحجية الله

الصليب أُحجية الله

لأُحاجينكم أُحجية …. من الآكل خَرَجَ أُكل ومن الجافي خرجت حلاوة(قض 14: 12 ،14)

إن هذه الأحجية هي أروع تصوير لأسلوب معاملات الله؛ فهو لا يُظهر قوته ليمنع وجود الآكل، بل يتركه يمرح ويأكل، لكنه في ذات الوقت يُظهر سلطانه ليُخرج من هذا الآكل أُكلاً لشعبه. كما أنه لا يُظهر قوته ليمنع الظروف الجافية، لكنه يُظهر سلطانه ليُخرج منها ثماراً حلوة يهنأ بها شعبه.

وفي الصليب تتجسد هذه السياسة بشكل لا يمكن أن تُخطئه العين، فأيادي الأثمة تقيِّد ابن الله! وبأفواههم يسخرون بل ويبصقون عليه! والجند الأردياء يعرّونه ويجلدونه ثم يسمّرونه على الخشبة! كل هذا ولم تنزل نار من السماء لتحرقهم، ولم تنشق الأرض لتبتلعهم، بل سمعت السماء كل تعييراتهم ولم تنقذه منهم، حتى أنهم ظنوا أن السماء في صفهم، فقالوا له هازئين مجدفين: “إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب ….. قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده …”، بل لقد حسبوه ـ لعدم ظهور قوة الله لحسابه ـ أنه مضروباً من الله ومذلولاً، نعم لم تظهر قوة لمنع شرورهم، لكن هل لم يظهر سلطان الله؟ حاشا، فمَنْ منا عندما يقرأ القصة بتدقيق يُخفىَ عليه سيطرة الله على كل الأمور؟ لقد حاول رؤساء الكهنة أن لا يصلبوه في الفصح لكي لا يكون شغب في الشعب، فكان سلطان الله أقوى ليتم الرمز البديع، وحاول بيلاطس أن يتخلص من القضية بأن يجعلهم يحكمون عليه بحسب الناموس فيموت رجماً بالحجارة، فكان سلطان الله أقوى لتتم النبوات الكثيرة التي أشارت لميتة الصليب، وجاء العسكر الأشرار ليكسروا ساقيه ويكسروا معها نبوة عن عدم كسر عظم منه. فكان سلطان الله أسرع منهم، فمات قبل مجيئهم، وخططوا لدفنه مع الأشرار، فكان سلطان الله أعظم لتتم نبوة الكتاب بأن يدفنه رجل غني. وهناك ما هو أكثر من ذلك الكثير الذي يُظهر أن الله، وإن كان لم يمنع الشر، لكنه كان يمارس سلطانه عليه. وماذا كانت النتيجة في النهاية؟ لقد ظنوا في غبائهم أن شرورهم قد انتصرت، ولم يعلموا أنهم كانوا يتممون مشورة الله المحتومة وعلمه السابق. فلقد استخدم الله كل شرورهم لينجز أعظم مقاصده، نعم لقد عبّروا عن خصامهم لله فسفكوا دم ابنه، لكن بهذا الدم المسفوك كان الله يصالح الكل لنفسه!

نعم عظيم هو ربنا، وعظيم القوة، لفهمه لا إحصاء.

إلى الأعلى